أحيانا نتعرض لأحداث هى من المسلمات و الحقائق المطلقة
و رغم هذا نقف أمامها مشدوهين و كأننا لم نع بعد حقيقة كونها كذلك
أو كأن عقلنا اللاواعى يرفض الاعتراف بهكذا حقيقة
ربما لأن مجرد اعترافنا بها يضعنا أمام خيارات جديدة لم نكن مهيئين لها
أو لأن هذا الاعتراف سوف يترتب عليه تغيرات جذرية فى منظومتنا الحياتية
هى حرب المنطق القاسى ضد اللامنطق العذب!
اليوم تحديدا تعرضت لهذه التجربة
اليوم التحقت ابنتى شهد بركب التعليم فى المرحلة الأولى التمهيدية (كى جى وان)
ذهبت معها للمدرسة كيفما اتفق و طوال الطريق أشعر بقلبى يخفق بشدة!
لا لخوفى من ردة فعلها فى هذا اليوم العصيب على أى طفل طبيعى وفقط
ولا للهفتى المعتادة عليها و خشيتى من بعدها المفاجئ عنى
فلم أتخيل يوما أنه من الممكن أن تتواجد شهد على بعد كيلومتر واحد حتى منى!!
فما بالنا بالمسافة التى تفصل ما بين منزلى و عملى وما بين مدرستها!
لا ... صدقا لم تكن تلك هى الأسباب وفقط...
الأمر أعمق من هذا بكثير
السبب الحقيقى هو أعجب و أغرب من هذه التفسيرات
الحقيقة تكمن فى طبيعتى التى تمتلك ذاكرة انفعالية قاسية!
فأنا عندما أسترجع أى ذكرى أستعيدها بكامل انفعالاتها و كأنها حدثت فى التو !
كنت أعيش وبمنتهى القسوة ذكرى الطفلة الصغيرة النحيلة المدللة التى ترتبط بوالديها ارتباطا عنيفا و هى ترتاد باب مدرستها لأول مرة!!
و التى هى أنا بطبيعة الحال !
نفس الرهبة والوجل..
نفس الذهول والترقب..
نفس الدموع المحتبسة فى مقلتى..
و التى تأبى نفسى العزيزة أن يراها أحد حتى أبى نفسه!
نفس التظاهر بأننى متماسكة تماما و أنا فى أمس الحاجة لحضن أمى أو أبى...
نفس رغبتى فى الفرار والبكاء كما يفعل أقرانى المحيطين بى و الذين يمرون بنفس ظروفى
رغم هذا أتاملهم فى صمت وقور يخفى وراءه عاصفة من الخوف ونفسية أهش من بيت العنكبوت!
نفس التقلصات التى تجتاح معدتى و كأننى مقبلة على حدث جلل...
تذكرت أيضا ارتباطى الشديد بابنة عمتى و التى أوصى أساتذتى والأخصائى الاجتماعى بالفصل بينى وبينها بسبب تعلقنا المرضى بعضنا ببعض!
و كانوا يطلقون علينا توأم الروح!
و كتبوا هذا فى التقرير النفسى الملحق بشهادة آخر العام لتنبيه والدى لهذا الأمر و الذى أحتفظ به إلى الآن
ووصفونى فيه أننى رغم تميزى بالذكاء الاجتماعى و قدرتى على التفاعل و الاندماج التام
إلا أننى طفلة شديدة الحساسية و شديدة الارتباط برانيا!
و بالفعل..
و فى العام التالى لم يجدوا بدا من فصلنا عن بعضنا البعض
و فى أول يوم أتعرض لصدمة انفصالى عن رانيا ابنة عمتى
هل أصف لكم إحساس بانهيار حصن الأمان الذى تملك منى بشراسة و بقوة؟!!
أم اصف لكم شعورى عندما أمسكت المدرسة بيدى الصغيرة بآلية تامة لتقودنى لحجرة دراستى الجديدة بدون حتى لكمة واحدة تهون بها على الموقف!
انتابنى شعور قارص بالغثيان وانعدام الوزن!
و لكن التزمت يومها بالصمت التام
و لم تسقط منى دمعة واحدة حتى
أقسم أنى جاهدت جهادا عنيفا فقط لأبدو متماسكة أمامها
و كأنه نوع من التمرد على تجاهلها لمشاعرى و عدم محاولتها حتى التمهيد لهذا الموقف العصيب!
حتى أننى أستعجب اليوم من قدرتى على هذا وقتها
لكنها مرة أخرى نفسى التى تأبى الظهور بمظهر الضعيفة الواهنة ولو على حساب أعصابى
رانيا تصرخ وتتمرغ فى الأرض
يعلوا صراخها فى المدرسة نسريييييييييييين
عاوزة نسريييييييييييين
لازال صوتها يرن فى أذنى إلى الآن
يشفق عليها أبى و عبثا يحاول إقناع المدرسة أن تتركنا معا اليوم فقط
على وعد بان يمهد هو لى و لها فيما بعد و أن يأتى الامر بشكل تدريجى
فترفض رفضا قاطعا
لا أذكر حديثها أو لم أعيه بمعنى أدق
كل ما أذكره أنى نظرت لها بصمت عاتب و حزن شديد ولم أنطق بكلمة اعتراض واحدة
بل مشيت معها فى استسلام ظاهرى و كأن الأمر كله لا يعنينى
و هى معجبة بهذه الطفلة العاقلة الهادئة المطيعة!
لكم وودت فى هذه اللحظة أن أصرخ كأى طفلة عادية و أبكى و أتمرد و أشتكى !
أن أتشبث برانيا كما فعلت هى معى
أن أتوسل لأبى أن يجبرهم على ضمنا سويا فى حجرة دراسية واحدة
لكنى نفسى أبت على أن أفعل هذا و اكتفيت بصخب المشاعر القاسى الصامت والذى لم يدركه أحد يومها!
كل هذه الأفكار اجتاحتنى وبقوة وأنا أقف فى حديقة المدرسة فى انتظار أن يتسلموا منى شهد
أشفقت عليها قرة عينى من تجربة قاسية شبيهة ربما تلازمها عمرها كله و تتسبب فى شرخ جدار سوائها النفسى
فنفضت عنى كل هذه الأفكار
وأخذت أضمها لصدرى من حين لآخر و أغمرها بالقبلات لأشعرها بالأمان
ثم أحدثها بمرح و لهجة طفولية مواكبة لها عن جمال المدرسة و عن الأيام الجميلة التى تنتظرها هنا بما يتفق مع عقلها البسيط و إدراكها المحدود
(شوفى يا شوشو الجنينة الحلوة دى ، دى عشان شهودة تلعب فيها مع صحابها الجداد)
(الله شوفى الولد الامور دا والبنت الحلوة دى دول صحاب شوشو هيلعبوا معاها)
إلخ إلخ ......
كانت تتفاعل معى وتبتسم ببراءة تمس شغاف القلب و تتطلع إلى المكان بشغف أثلج صدرى
و قبل أن تذهب ضممتها لصدرى بقوة و قبلتها حتى أننى بمجرد أن رفعت بصرى وجدت إحدى أولياء الامور تنظر لى بتعاطف شديد و كأنها أدركت ما أعانى مما أشعرنى بالخجل من مشاعرى المفضوحة و دمعت عينى رغما عنى
فصرفت بصرها سريعا و كأنها لم تلاحظ ما طرأ على كى تعفينى من الحرج ربما!
و عندما انصرفت شهد بهدوء ووداعة تامة و هى تنظر لى بين الحين والحين حتى اختفت من أمام عيونى تماما
أدركت اختلاف الأدوار!
و أتامل فى الحقيقة المسلمة التى جسدت اليوم أمام ناظرى!
إننى أنا الآن ماما المطالبة ببث الأمان فيها
مهما كانت انفعالاتى و مشاعرى
لابد أن أودعها بابتسامة حانية و أستقبلها بمثلها حتى تتجاوز هذه المرحلة العصيبة بسواء نفسى تام
و حتى تتذكر هذه اللحظات يوما و هى تودع ابنتها على باب المدرسة ولكن بمشاعر و ذكريات مختلفة
و تمكل القدرة يومها ان تبث مشاعرا إيجابية فى نفس طفلتها
انطلقت فى أعماق أعماقى تنهيدة حارة لم يشعر بها أحد و تمتمت بلا صوت
ربااااااااه .... إنى أكبر!